عناقيد الضياء
26-03-2006, 11:04
العالم مليء بالأحرف، يجب أن يكون كذلك، وإلا من أين لأمثالي أن نلتقط هذه الأحرف ونحولها إلى كلمات تدخل أعماق القلوب، معان تحرك المشاعر، فحيوية "أبجد هوز حطي كلمن" تغسل وتنقي أرواحنا عندما نحولها إلى عبارات تحمل في طياتها خبراتنا، وذكرياتنا، وآلامنا وأفراحنا، عندما نقرأ ندخل العالم إلينا، وعندما نكتب نخرج للعالم ما بداخلنا، القدرة على التعبير، القدرة على جعل القلب يخط مشاعر تهز الآخر نعمة ومسؤولية وقوة، من أطلق هذه القوة من داخلي، من دفعني لاكتشاف هذه الطاقة بقسوته، بحرماني من الحنان، من نظرة رضى، إنها أمي التي حاربت محبتها بكل ما أوتيت من قوة، فأنا لم أكن أعلم حينها أن وراء هذه القسوة إنسانة تتألم، لم أكن أرى أن وراء هذا الجبل نهراً من الدموع، وكيف لي أن أفهم، أنا الأنانية التي كانت تعتقد أن العالم يدور حولها ولها!.
كنت أرتجف غضبا عندما يشبهني أحد بها، أسارع بالنفي "كلا أبي هو من أشبه"، لم أكن أريد أن أكون مثلها حتى ولو بالمظهر الخارجي، كلما طلب منا أن نكتب موضوع إنشاء عن الأم قدمت ورقة بيضاء رافضة أن أخط حرفا واحدا في حقها، وفي عيد الأم عند انشغال الجميع في كتابة وتزيين كروت المعايدة كنت أتحجج بالمرض وأهرب إلى زاوية مصطحبة كتاباً أختفي بين صفحاته حيث اللقاء مع أعز الناس، مع أبي - رحمه الله -، وكلما جن الليل وأفزعني صوت الرعد كنت أبكي بحرقة، لا ليس من الخوف ولكن لإيماني عندها بأن قلب الأم يشعر بألم الأبناء، إذاً فلأحرق قلبها كما حرقت قلبي ببعدها عني، ظالمة، قاسية كنت أنا، ولكنني لم أكن أعلم، لم أكن أفهم!
صفعتني الحقيقة يوما عندما أعلنت رفضي المشاركة بثمن هدية لأمي، هوجمت بشدة من إخوتي ونعت بأبشع الأوصاف، جاحدة، ناكرة جميل، عاقة، وعندما سئلت عن سبب رفضي، شعرت بالغضب الذي كان يجري بدمي ويسمم روحي يتجمع في حلقي يكاد يخنقني وخرج صوتي متقطعا، "لماذا أهدي من تركتني، من حرمتني من حنانها، من لم تسمع ندائي، أو ترق لتوسلاتي؟". عندها أخذتني إحدى أخواتي إلى غرفة أخرى وبدأت تقص علي معاناة من كانت في ربيع العمر حين وجدت نفسها وحيدة ومسؤولة عن مستقبل ستة أطفال، لم تستطع حتى أن تصل إلى أطفالها كي تحتضنهم وتواسيهم عند بلوغهم خبر وفاة أبيهم، اضطرت إلى أن تقضي فترة العدة بعيدة عنهم كي تتمكن من أن تحافظ على حقوقهم من الضياع، وكيف أنها كانت تعيش حربا شعواء من أجل ذلك وهي التي لم تكمل المرحلة المتوسطة من التعليم، وجدت نفسها وحيدة في بلد كان لا يتقبل عمل المرأة فكيف بوصايتها، زادها كان أحاديث زوجها عن أعماله وذكاءها الفطري الذي كان يسجل ويتعلم، حاربت من أجل أن تحقق حلم زوجها الذي كان يرغب في أن يتلقى أبناؤه أفضل ما في الخارج من التعليم، ولكن أبناءها أصروا على العودة إلى الوطن والبقاء بجانبها، وبقي في الخارج اثنان لم يكن لهما حق الاعتراض لصغر السن، كان أبناؤها يفرقون بين الأيام الحسنة والسيئة من خلال عيون والدتهم، فإن كانت حمراء فذلك لأن اليوم مر بسلام وإن كانت غارقة بالدموع فذلك لأن عقبة جديدة قد ظهرت، ومع مرور الأيام تعلمت كيف تحبس مشاعرها وتبني جدار القسوة والشدة والحزم من أجل أن تحمي صغارها.
كان حديث أختي يزيل طبقات سوداء من ذاكرتي إلى أن ظهرت صورة كانت منزوية في أعماقي، صورة لأمي وهي حامل بأخي منكبة على ماكينة خياطة تطرز ملابس صغيرة، كانت ترتدي ثوبا قزحي الألوان، تدندن أغنية أتذكر كلماتها ترن في أذني إلى الآن، كنت حينها جالسة في طرف الغرفة أراقبها بإعجاب، فجأة التفتت إلي وابتسمت، يا إلهي أي نور دافئ غمرني، أي حب تسلل إلى قلبي واحتضنه، أين اختفى هذا الشعور، كيف أضعته؟ ضاع مع لباسها الأسود الذي لم تخلعه لسنين، ضاع مع تحولها من امرأة مرحة تنبض بالحياة إلى امرأة جادة حذرة لا تقبل أي تقصير أو اعتراض، لكن مع عودة الصورة عادت الأحاسيس الدافئة، تمنيت أن أركض إليها، أن أعانقها بقوة ولكنني خجلت، كيف أعانق هذا النقاء، هذا الوفاء، كيف أعانق من حرصت على إبقاء ذكرى والدي حية بداخلنا، من جعلت منه عملاقا لا يوازيه أحد ولم تفكر بنفسها؟ خجلت من أفكاري ومن ظنوني ومن غضبي، صحيح أنها لم تكن تعلم عما كان بداخلي ولكنني كنت أعلم وهذا يكفي لشعوري بالذنب نحوها.
قصدت غرفتي وجلست إلى طاولة المكتب شاردة الذهن، نظرت أمامي فوجدت قلما، هذا الذي كان يمثل لي المدرسة، العلم الذي كانت أمي تعنفني بشدة من أجله، هذا القلم الذي رفضته كرفضي لها، في تلك اللحظة بدا لي بشكل جديد، حتى إنني تخيلته يناديني، التقطته بين أصابعي وبدأت أكتب رسالة اعتذار لم أجرؤ على تسليمها، قضيت الليل أكتب، شعرت بقوة الحروف وأنا أجمعها وأصفها على الأسطر عبارات تقطر حزنا، تقطر ألما، تقطر خجلا، تقطر ندما، ولكنني منها وبها تحررت من قيد الغضب الذي كان يحبس أنفاسي، وجدت مملكتي، وجدت قمتي التي عزمت على اعتلائها منتصرة، كيف وبماذا؟، لم يكن لدي المخزون الكافي من الخبرة والعلم ولكنني قررت أنه بحروفي، بأبجد هوز، سوف أجعل والدتي تفتخر بي، بحطي كلمن، سأعوضها عن كل دمعة ذرفتها، بهذه الحروف ومن خلال هذه الحروف سأعود إليها، والعالم مليء بالأحرف، يجب أن يكون كذلك من أجلي، يجب أن يكون كذلك من أجلها، حروف العالم سأجمعها كلمات، سأحولها عبارات، سأنفذها نجاحات لأضعها عند قدميها.
ومنذ ذلك الوقت وإلى اليوم وغدا وحتى آخر يوم من عمري سأردد، "إليك يا عظيمة، إليك يا كريمة، إليك يا أمي أهدي حروفي، كلماتي، عباراتي، خلاصة تعبك وتضحياتك، فحبك هو غايتي، ورضاك هو سبيل نجاتي".
للكاتبة :
ميسون الدخيل*
"جريدة الوطن"
كنت أرتجف غضبا عندما يشبهني أحد بها، أسارع بالنفي "كلا أبي هو من أشبه"، لم أكن أريد أن أكون مثلها حتى ولو بالمظهر الخارجي، كلما طلب منا أن نكتب موضوع إنشاء عن الأم قدمت ورقة بيضاء رافضة أن أخط حرفا واحدا في حقها، وفي عيد الأم عند انشغال الجميع في كتابة وتزيين كروت المعايدة كنت أتحجج بالمرض وأهرب إلى زاوية مصطحبة كتاباً أختفي بين صفحاته حيث اللقاء مع أعز الناس، مع أبي - رحمه الله -، وكلما جن الليل وأفزعني صوت الرعد كنت أبكي بحرقة، لا ليس من الخوف ولكن لإيماني عندها بأن قلب الأم يشعر بألم الأبناء، إذاً فلأحرق قلبها كما حرقت قلبي ببعدها عني، ظالمة، قاسية كنت أنا، ولكنني لم أكن أعلم، لم أكن أفهم!
صفعتني الحقيقة يوما عندما أعلنت رفضي المشاركة بثمن هدية لأمي، هوجمت بشدة من إخوتي ونعت بأبشع الأوصاف، جاحدة، ناكرة جميل، عاقة، وعندما سئلت عن سبب رفضي، شعرت بالغضب الذي كان يجري بدمي ويسمم روحي يتجمع في حلقي يكاد يخنقني وخرج صوتي متقطعا، "لماذا أهدي من تركتني، من حرمتني من حنانها، من لم تسمع ندائي، أو ترق لتوسلاتي؟". عندها أخذتني إحدى أخواتي إلى غرفة أخرى وبدأت تقص علي معاناة من كانت في ربيع العمر حين وجدت نفسها وحيدة ومسؤولة عن مستقبل ستة أطفال، لم تستطع حتى أن تصل إلى أطفالها كي تحتضنهم وتواسيهم عند بلوغهم خبر وفاة أبيهم، اضطرت إلى أن تقضي فترة العدة بعيدة عنهم كي تتمكن من أن تحافظ على حقوقهم من الضياع، وكيف أنها كانت تعيش حربا شعواء من أجل ذلك وهي التي لم تكمل المرحلة المتوسطة من التعليم، وجدت نفسها وحيدة في بلد كان لا يتقبل عمل المرأة فكيف بوصايتها، زادها كان أحاديث زوجها عن أعماله وذكاءها الفطري الذي كان يسجل ويتعلم، حاربت من أجل أن تحقق حلم زوجها الذي كان يرغب في أن يتلقى أبناؤه أفضل ما في الخارج من التعليم، ولكن أبناءها أصروا على العودة إلى الوطن والبقاء بجانبها، وبقي في الخارج اثنان لم يكن لهما حق الاعتراض لصغر السن، كان أبناؤها يفرقون بين الأيام الحسنة والسيئة من خلال عيون والدتهم، فإن كانت حمراء فذلك لأن اليوم مر بسلام وإن كانت غارقة بالدموع فذلك لأن عقبة جديدة قد ظهرت، ومع مرور الأيام تعلمت كيف تحبس مشاعرها وتبني جدار القسوة والشدة والحزم من أجل أن تحمي صغارها.
كان حديث أختي يزيل طبقات سوداء من ذاكرتي إلى أن ظهرت صورة كانت منزوية في أعماقي، صورة لأمي وهي حامل بأخي منكبة على ماكينة خياطة تطرز ملابس صغيرة، كانت ترتدي ثوبا قزحي الألوان، تدندن أغنية أتذكر كلماتها ترن في أذني إلى الآن، كنت حينها جالسة في طرف الغرفة أراقبها بإعجاب، فجأة التفتت إلي وابتسمت، يا إلهي أي نور دافئ غمرني، أي حب تسلل إلى قلبي واحتضنه، أين اختفى هذا الشعور، كيف أضعته؟ ضاع مع لباسها الأسود الذي لم تخلعه لسنين، ضاع مع تحولها من امرأة مرحة تنبض بالحياة إلى امرأة جادة حذرة لا تقبل أي تقصير أو اعتراض، لكن مع عودة الصورة عادت الأحاسيس الدافئة، تمنيت أن أركض إليها، أن أعانقها بقوة ولكنني خجلت، كيف أعانق هذا النقاء، هذا الوفاء، كيف أعانق من حرصت على إبقاء ذكرى والدي حية بداخلنا، من جعلت منه عملاقا لا يوازيه أحد ولم تفكر بنفسها؟ خجلت من أفكاري ومن ظنوني ومن غضبي، صحيح أنها لم تكن تعلم عما كان بداخلي ولكنني كنت أعلم وهذا يكفي لشعوري بالذنب نحوها.
قصدت غرفتي وجلست إلى طاولة المكتب شاردة الذهن، نظرت أمامي فوجدت قلما، هذا الذي كان يمثل لي المدرسة، العلم الذي كانت أمي تعنفني بشدة من أجله، هذا القلم الذي رفضته كرفضي لها، في تلك اللحظة بدا لي بشكل جديد، حتى إنني تخيلته يناديني، التقطته بين أصابعي وبدأت أكتب رسالة اعتذار لم أجرؤ على تسليمها، قضيت الليل أكتب، شعرت بقوة الحروف وأنا أجمعها وأصفها على الأسطر عبارات تقطر حزنا، تقطر ألما، تقطر خجلا، تقطر ندما، ولكنني منها وبها تحررت من قيد الغضب الذي كان يحبس أنفاسي، وجدت مملكتي، وجدت قمتي التي عزمت على اعتلائها منتصرة، كيف وبماذا؟، لم يكن لدي المخزون الكافي من الخبرة والعلم ولكنني قررت أنه بحروفي، بأبجد هوز، سوف أجعل والدتي تفتخر بي، بحطي كلمن، سأعوضها عن كل دمعة ذرفتها، بهذه الحروف ومن خلال هذه الحروف سأعود إليها، والعالم مليء بالأحرف، يجب أن يكون كذلك من أجلي، يجب أن يكون كذلك من أجلها، حروف العالم سأجمعها كلمات، سأحولها عبارات، سأنفذها نجاحات لأضعها عند قدميها.
ومنذ ذلك الوقت وإلى اليوم وغدا وحتى آخر يوم من عمري سأردد، "إليك يا عظيمة، إليك يا كريمة، إليك يا أمي أهدي حروفي، كلماتي، عباراتي، خلاصة تعبك وتضحياتك، فحبك هو غايتي، ورضاك هو سبيل نجاتي".
للكاتبة :
ميسون الدخيل*
"جريدة الوطن"